القرطبي
68
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمدا ، وحملوا الامر بالتسمية على الندب . وذهب مالك في المشهور إلى الفرق بين ترك التسمية عمدا أو سهوا فقال : لا تؤكل مع العمد وتؤكل مع السهو ، وهو قول فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي ، وستأتي هذه المسألة في " الانعام " ( 1 ) إن شاء الله تعالى . ثم لابد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده . فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث ، أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالاغراء من الصائد ، فهذا بمنزلة ما زمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين ، فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله عند الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ، لأنه إنما صاد لنفسه من غير إرسال وأمسك عليها ، ولا صنع للصائد فيه ، فلا ينسب إرساله إليه ، لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السلام : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ) . وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي : يؤكل صيده إذا كان أخرجه للصيد . السابعة - قرأ الجمهور " علمتم " بفتح العين واللام . وابن عباس ومحمد بن الحنفية بضم العين وكسر اللام ، أي من أمر الجوارح والصيد بها . والجوارح الكواسب ، وسميت أعضاء الانسان جوارح لأنها تكسب وتتصرف . وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح وتسيل الدم ، فهو مأخوذ من الجراح ، وهذا ضعيف ، وأهل اللغة على خلافه ، وحكاه ابن المنذر عن قوم . و " مكلبين " قراءة الجمهور بفتح الكاف وشد اللام ، والمكلب معلم الكلاب ومضريها ( 2 ) . ويقال لمن يعلم غير الكلب : مكلب ، لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب ، حكاه بعضهم . ويقال للصائد : مكلب فعلى هذا معناه صائدين . وقيل : المكلب صاحب الكلاب ، يقال : كلب فهو مكلب وكلاب . وقرأ الحسن " مكلبين " بسكون الكاف وتخفيف اللام ، ومعناه أصحاب كلاب ، يقال : أمشى الرجل كثرت ماشيته ، وأكلب كثرت كلابه ، وأنشد الأصمعي ( 3 ) : وكل فتى وإن أمشى فأثرى * ستخلجه عن الدنيا منون
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 75 . ( 2 ) مولعها بالصيد . ( 3 ) البيت للنابغة . تخلجه تنتزعه